تساؤلات حول تصفية عقد المضاربة في البنوك الإسلامية

د. عبد العظيم إصلاحي

ندوة حوار الأربعاء بعنوان: تساؤلات حول تصفية عقد المضاربة في البنوك الإسلامية

 

يعرضه: د. عبد العظيم إصلاحي/ باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي جامعة الملك عبد العزيز - جدة الأربعاء 11/4/1424هـ الموافق 11/12/2002م
 المستخلص تساؤلات حول توزيع الأرباح و الخسائر في عقد المضاربة في البنوك الإسلامية
 
العنصر الأول: النصوص الشرعية والفقهية
·القرآن: لا يوجد ذكر للمضاربة.
·السنة: عمل الرسول وتقريره صلى الله عليه وسلم.
ورواية ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال، كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينـزل به وادياً ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن ، فرفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه (رواه البيهقي 6/111) .
- وثابتة بالإجماع
والمضاربة كانت في التجارة فقط ولا يوجد مثال غير التجارة في العصر الأول حتى قبل العصر الحالي ، فبعض الفقهاء اشترطوا أن يكون العمل تجارة ، ولا توجد تفاصيل للمضاربة في العصر النبوي ولا في عصر الصحابة لا حديث ولا أثر ، وموقف الفقهاء متباين وليس واحداً ، فقد قالوا :
1/ إنها استئجار بالمجهول بل بالمعدوم ولعمل مجهول جوزت ترخصاً واستحساناً .
2/ إنها وكالة والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة (إذا اشترط الوضيعة على المضارب) موسوعة الفقه الإسلامي في 38/54 .
3/ إنها أمانة "شرط عمل رب المال في عقد المضاربة يفسدها لأن المال أمانة فلا يتم إلا بعد تسليم رأس المال إلى المضارب" موسوعة الفقه الإسلامي 38/63 .
والحقيقة أنها نوع من الشركة - شركة بين العمل ورأس المال .
وفي المضاربة لا ضمان لرأس المال .
ومنعوا أن تكون الوضيعة (الخسارة) عليهما بدليل "أن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا على رب المال" فقط (وهي مقدمة ليست خالية من الخلاف) .
العنصر الثاني : مناقشة
لنفترض أن رأس المال في المضاربة مليون ريال ، ونسبة الاشتراك في الربح 50% لكل فريق .
فتظهر إحدى ثلاث حالات:
1/ إذا حصل ربح يشترك فيه صاحب المال والمضارب وفقاً للنسبة المتفق عليها. فمثلاً إذا حصل ربح مائة ألف ، يأخذ صاحب رأس المال خمسين ألفًا ، ويأخذ المضارب خمسين ألفًا. لنفترض أن الخمسين ألفًا هذه تساوي تكلفة الفرصة الضائعة بالنسبة للمضارب (أجرة مثله) ، بمعنى أنه لو أجر نفسه لصاحب الأعمال لوجد أن أجرته خمسون ألفًا.
2/ إذا لم يحصل ربح وانتهت المعاملة بلا ربح ولا خسارة، لا يجد المضارب شيئاً حتى أجر مثله ، ويأخذ صاحب المال ماله لا غير
3/ إذا حصلت خسارة (مائة ألف) فحال المضارب كما في الشكل الثاني وأما رأس المال فيحمل جميع خسارة (نقص) المال = مائة ألف.
يبدو من هذا أن المضاربة شركة عادلة في حالة الربح، ولكنها غير عادلة في حالة عدم الربح، و حالة الخسارة.
وأيضاً هب أن العقد كان لثلاث سنوات و حصل الربح في السنة الأولى مائة ألف، ولم يحصل ربح و لا خسارة في السنة الثانية، وحدثت الخسارة في السنة الثالثة مائة ألف. فإذا شرط توزيع الأرباح و الخسائر في نهاية كل عام فيكون الحال كما ذكر في السنة الأولى يربح كلاهما ، والسنة الثانية لا يجد المضارب شيئاً ولا يخسر صاحب المال ، وفي السنة الثالثة لا يحصل المضارب على شيء ويقل رأس مال المستثمر .
وأما إذا كان الشرط توزيع الأرباح و الخسائر في نهاية العقد فالنتيجة تكون غير ما ذكر ، يعني لم يربح أحد ولم يخسر.
هناك تساؤلات عديدة من ناحية العدل في هذا التوزيع:
1/ إذا سئل ما هي خسارة المضارب في الحالة الثانية ؟ وهل خسر صاحب رأس المال ؟ فالجواب واضح أنه خسر المضارب بدل عمله (وهو ما كان يتوقع من الربح) وخسارة رأس المال أنه أيضاً لم يربح ، معناه أنه كان يتوقع من الربح ولم يحصل ، فهذا بدل ذلك .
إذن ما هي خسارة المضارب إذا نقص رأس المال (في الحالة الثالثة) ، هل هو نفس الربح المتوقع ؟ فهذا يبدو غير عادل .
2/ ويجوز أن يتفقا على أي نسبة للمشاركة في الربح.
إذا كانت نسبة الربح مثلاً 99% للمضارب و1% لرب المال ، فهل من المعقول أن تكون جميع وضيعة رأس المال على الذي يربح 1%، ولا وضيعة على الذي يأخذ 99% من الربح ؟
3/ أليس موقف الفقهاء يعرض صاحب المال لخطر أو غرر أكثر بالنسبة للمضارب، خاصة إذا كان العقد مبنياً على التوزيع السنوي ؟
العنصر الثالث: هل يجوز للبنك الإسلامي بوصفه مضاربًا أن يشترك في تحمل الخسارة؟
وذلك لأن :
1/ مضاربة العصر الحاضر ليست مضاربة القرون الأولى ، ففي القديم كانت المضاربة في التجارة فقط واليوم طبقناها في الأنشطة الإنتاجية ذات المخاطرة العالية .
2/ كان يمكن في القديم أن تحدد أعمال المضارب بشروط وقيود كما رأينا في رواية ابن عباس رضي الله عنه ، وهذا لا يمكن اليوم إلا نادراً .
3/ يستخدم المضارب رؤوس الأموال بنفس الحرية التي يستخدمها في الأموال التي حصل كالديون فما بقيت المضاربة لا وكالة ولا أمانة ولا إجارة .
4/ قد رأينا العباس رضي الله عنه شرط على المضارب شروطاً وقال: إذا خالف فهو ضامن ، أليس للمضارب أن يقول لرب المال: أعطني حرية في جميع أعمال المضاربة وأنا ضامن.
5/ المساهمة في الخسارة ليست خلاف قاعدة: "الخراج بالضمان"، بل يبدو أنها مقتضاه.
6/ المساهمة في الوضيعة موقف وسط بين رأي الفقهاء أنه لا ضمان على المضارب وبين اثبات بعض المعاصرين ضمان الودائع المستثمرة على البنك المضارب ، كما لاحظنا في أحد لقاءات الأربعاء الماضية .
وأذكر هنا أن بعض المصنفين من الجيل الأول الذين كتبوا حول إنشاء البنوك الإسلامية على أساس المضاربة قالوا "إن الفريقين يساهمان في الخسارة أيضاً بنفس النسبة المتفق عليها" . وفيما يلي أسماؤهم :
1.    الدكتور أنور إقبال قريشي في كتابه : Islam and Theory of Interest 1946
2.    الأستاذ نعيم صديقي أحد رفقاء الأستاذ المودودي في كتابه "الصيرفة على أصول إسلامية" باللغة الأردية 1948 ، وفي كتابه "حل مشكلة الفروق الاقتصادية" باللغة الأردية 1951 .
3.    الأستاذ الشيخ أحمد إرشاد في كتابه "البنك اللاربوي" باللغة الأردية والإنجليزية 1964 .
4.    محمد أكرم في ورقته "البنك والادخار في الاقتصاد الإسلامي" باللغة الأردية 1965 .
5.    ويوهم ذلك أيضاً قول الأستاذ المودودي عن "الشركة" في كتابه "الربا" إنه تكون المساهمة في الربح والخسارة ، وهذا لأن الأستاذ المودودي استعمل لفظ "الشركة" للمضاربة (انظر كتاب الدكتور محمد نجاة الله صديقي: Banking (Without Interest.
ولقائل أن يقول، أن هؤلاء الكتاب كتبوا هكذا لأن فكرة المضاربة لم تكن واضحة لديهم . أنا أيضاً أوافق على هذا، ولكن يتضح من هذه الأمثلة أنه إذا فكر أحد بدون علم مسبق لأقوال الفقهاء رأى من العدل أن يساهم الفريقان في الخسارة أيضًا.
 بعض الآثار الاقتصادية إذا اشترك المضارب في الخسارة :
1.يزداد التحوط Hedging والنشاط .
2.يقل إمكانية وقوع Moral Hazard و Adverse Selection
3.يزداد عرض رأس المال بسبب التأمين الجزئي من الخسارة .
د. عبد العظيم إصلاحي
ملاحظة : ستناقش الأفكار الواردة في هذا الطرح، في حوار قادم بعنوان : هل يمكن لعامل المضاربة، ولاسيما إذا كان مصرفًا، أن يشترك مع رب المال في الخسارة؟